الشيخ محمد رشيد رضا

186

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

( تفنيد تصويرهم للوحي النفسي وإبطاله من وجوه ) ( الوجه الأول ) ان أكثر المقدمات التي أخذوا منها هذه النتيجة هي آراء متخيلة ، أو دعاوي باطلة ، لا قضايا تاريخية ثابتة ، كما بيناه عند ذكرها ، وإذا بطلت المقدمات بطل التسليم بالنتيجة مثال ذلك زعمهم ان محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم سمع من نصارى الشام خبر غلب الفرس وظهورهم على الروم ، ليوهموا الناس ان ما جاء في أول سورة الروم من الانباء بالمسألة وبان الروم سيغلبون الفرس بعد ذلك - هو مستمد مما سمعه صلّى اللّه عليه وسلّم من نصارى الشام . وهذا مردود بدلائل التاريخ والعقل . فأما التاريخ فإنه يحدثنا بأن ظهور الفرس على الروم كان في سنة 610 م وذلك بعد رحلة محمد الأخيرة إلى الشام بأربع عشرة سنة وقبل بدء الوحي بسنة . ثم إن التاريخ أنبأنا ان دولة الروم كانت مختلة معتلة في ذلك العهد بحيث لم يكن أحد يرجو ان تعود لها الكرة والغلب على الفرس . حتى أن أهل مكة أنفسهم هزئوا بالخبر وراهن أبو بكر أحدهم على ذلك وأجازه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فربح الرهان . وأما العقل فإنه يحكم بان مثل محمد في سمو إدراكه المتفق عليه لا يمكن أن يجزم بان الغلب سيعود للروم على الفرس في مدة بضع سنين - لا من قبل الرأي ولا من الوحي النفسي المستمد من الاخبار غير الموثوق بها . وقد صح أن انتصار الروم حصل سنة 622 م وكان وحي التبليغ للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم سنة 614 فإذا فرضنا أن سورة الروم نزلت في هذه السنة يكون النصر قد حصل بعد ثماني سنين وان كان في السنة الثانية تكون المدة سبع سنين ، وهو المعتمد في التفسير والبضع يطلق على ما بين الثلاث والتسع . والحكمة في التعبير عن هذا النبأ بقوله تعالى ( غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ ) ولم يقل بعد سبع سنين أو ثمان مثلا - هي إفادة أن الغلب يكون في الحرب الممتدة في هذه المدة . وأنباء الوحي والعبر لا تكون بأسلوب التاريخ الذي يحدد الوقائع بالسنين ، وليس في وعود القرآن الكثيرة للمسلمين بالنصر وغيره من أنباء الغيب ذكر السنين ولا الشهور فهذه الآية فريدة في بابها